القرطبي

67

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كجبال تهامة فلا تزن شيئا . وقيل : يحتمل أن يريد المجاز والاستعارة ، كأنه قال : فلا قدر لهم عندنا يومئذ ( 1 ) ، والله أعلم . وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه ، لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم ، بل يدل على تحريم الاكل الزائد على قدر الكفاية المبتغى به الترفه والسمن . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين ) . ومن حديث عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم قرني ثم الذين يلونهم - قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة - ثم إن من بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ) وهذا ذم . وسبب ذلك أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الاكل والشره ، والدعة والراحة والامن والاسترسال مع النفس على شهواتها ، فهو عبد نفسه لا عبد ربه ، ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام ، وكل لحم تولد عن سحت فالنار أولى به ، وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الاكل فقال : " والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم " ( 2 ) [ محمد : 12 ] فإذا كان المؤمن يتشبه بهم ، ويتنعم بتنعمهم في كل أحواله وأزمانه ، فأين حقيقة الايمان ، والقيام بوظائف الاسلام ؟ ! ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه ، وزاد بالليل كسله ونومه ، فكان نهاره هائما ، وليله نائما . وقد مضى في " الأعراف " ( 3 ) هذا المعنى ، وتقدم فيها ذكر الميزان ( 3 ) ، وأن له كفتين توزن فيهما صحائف الأعمال فلا معنى للإعادة . وقال عليه الصلاة والسلام حين ضحكوا من حمش ( 4 ) ساق ابن مسعود وهو يصعد النخلة : ( تضحكون من ساق توزن بعمل أهل الأرض ) فدل هذا على أن الأشخاص توزن ، ذكره الغزنوي . قوله تعالى : ( ذلك جزاؤهم " ذلك " إشارة إلى ترك الوزن ، وهو في موضع رفع بالابتداء " جزاؤهم " خبره و ( جهنم ) بدل من المبتدأ الذي هو " ذلك " و " ما " في قوله : " بما كفروا " مصدرية ، والهزء الاستخفاف والسخرية ، وقد تقدم .

--> ( 1 ) في ك : يوم القيامة . ( 2 ) راجع ج 16 ص 234 . ( 3 ) راجع ج 7 ص 191 فما بعد وص 165 . ( 4 ) حمش الساق : دقيقها .